ابن أبي الحديد

104

شرح نهج البلاغة

المكلفين بالأحكام الشرعية المقربة إلى الواجبات العقلية ، والمبعدة من المقبحات العقلية ، ولا مدخل للرسول في معرفة البارئ سبحانه ، لان العقل يوجبها ، وإن لم يبعث الرسل ! قلت : إن كثيرا من شيوخنا أوجبوا بعثه الرسل ، إذا كان في حثهم المكلفين على ما في العقول فائدة ، وهو مذهب شيخنا أبى على رحمه الله ، فلا يمتنع أن يكون إرسال محمد صلى الله عليه وآله إلى العرب وغيرهم ، لان الله تعالى علم أنهم مع تنبيهه إياهم - على ما هو واجب في عقولهم من المعرفة - أقرب إلى حصول المعرفة ، فحينئذ يكون بعثه لطفا ، ويستقيم كلام أمير المؤمنين . * * * الأصل : وإنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شئ أخفى من الحق ، ولا أظهر من الباطل ، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله ، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلى حق تلاوته ، ولا أنفق منه إذا حرف عن مواضعه ، ولا في البلاد شئ أنكر من المعروف ، ولا أعرف من المنكر ، فقد نبذ الكتاب حملته ، وتناساه حفظته ، فالكتاب يومئذ وأهله طريدان منفيان ، وصاحبان مصطحبان ، في طريق واحد لا يؤويهما مؤو ، فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا فيهم ومعهم وليسا معهم لان الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا . فاجتمع القوم على الفرقة ، وافترقوا عن الجماعة ، كأنهم أئمة الكتاب ، وليس الكتاب إمامهم ، فلم يبق عندهم منه إلا اسمه ، ولا يعرفون إلا خطه وزبره ، ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة ، وسموا صدقهم على الله فرية ، وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة ، وإنما هلك